You Create, We Appreciate

الكاتب والروائي فتحي إسماعيل يكتبــ: لماذا مصطفى يونس؟

الكاتب والروائي فتحي إسماعيل يكتبــ: لماذا مصطفى يونس؟
الكاتب مصطفى يونس
الكاتب مصطفى يونس

لماذا مصطفى يونس؟

لأنه الذي طعِم العهد ولكن الطرق لم تأخذه نحو المدد، أو جرفته رغمًا لرحلة سيعود منها ذات يومٍ، ليحكي لنا عن كشفه الجديد، وعن مكاشفاته التي توارت خلف المحنة،  فنحن لسنا أمام كاتبٍ يضع مكتبه في ركنه القصيّ، ويلتقط  كل حين صورةً مع مكتبته التي جمعها على مرّ العمر، بل هو مُريد اختاره شيخ الكتابة، وعهد له بورد القول ف- قال، ومرّ بدرب النور، فأضاء.

ولكن قدر العارفين ليس كقدر الذين يمرّون من خلال الأزقة، عارف الروح لا يسير إلا في طريق المدد، ولا ينطق إلا ما أوحى إليه من الإبداع…

منذ كم سنة، وأنا أقف على عتبات النص؟ وأنا أحاول أن أصرخ كما نبي في البرية، الذين يغزلون من الحروف فساتين من البلادة، بينما الخيوط المهترئة تتآكل أمام إبرهم الصدئة، لكن الذين هم مُلهمون، ستبقى كلمتهم عميقة الغرز مُحكمة الصُنع وعلى مقاس المريدين.. طالما كان في البدن روح وفي النفس ضمير، حتى وإن كفّت العيون عن الشوف.

هو القاص المنعزل، القابع في واديه غير عابيء بحصاد السنين من القراءة والاطلاع والكتابة، عفّ النفس عن المزاحمة  والتمسّح في عباءات الندوات، أو الجرائد والمجلّات المعنية بالثقافة، والذي رغم صدور مجموعته الأولى (الكشوفات) عام 2015 بعد فوزها بجائزة النشر في مسابقة مركز عماد قطري التي يرعاها الإنسان النبيل الشاعر/ عماد علي قطري، ورغم صدور مجموعته القصصية الثانية تحت رعاية الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2019، ضمن سلسلة إبداعات التي يشرف عليها الناقد والكاتب الكبير والإنسان النبيل/ سيد الوكيل؛ إلا أن مصطفى يونس لم يضع نفسه في طابور الكتاب، ولم يتزيّا بزي الأدباء، بل عكف على تجربة الحياة، واعتركها بكل ما يعنيه الاعتراك، الذي يقارب العراك، ولكني وإذا أنادي أن يا صديقي، لم تخطّ يداك إلا نصوصُا جديرة بالاحتفاء، وأن دربك مهما غبت عنه ينتظرك لتكمل السير فيه، ولعلي إن عشت سأشهد أني بك من المؤمنين

وعلى لسان مصطفى يونس  في القصة الأولى من كتاب (قيود وأجنحة) والتي هي نفسها عنوان الكتاب:

“كل الطرق إلى سواك فناء، إلا طريقك فهو درب الخلود”

فأنا وإن لم أستطع الوقوف بضعفي المتخاذل وضحالة رؤاي عن تأويل الكشوفات (كتابه الأول)، فتعرضت بخجل وبروح المتعلّم، الذي يجيد التزويغ من الدروس، لكنه لا ينسى الحرف الذي استوقفه وعلّمه لما لم يكن يعلم، إلى كتابه الثاني (قيود وأجنحة)

لماذا مصطفى يونس؟ الآن..

أحسبه يظن أنه قفز من سفينة نوح ولجأ إلى جبٍل يعصمه من الكتابة، أو أنه أصيب بالعقل، فطاب منه الجنون..

ولكني وعلى مدار الشهور والسنين لم أطب من نور المكاشفات، ولا من ابتسامته المخضبة بالدموع وهو يناقشني في مسألة، حتى وهو يضحك في الصورة كان شيء ما بداخله يبكي، وفالحكماء الذن يعرفون خاتمة الحكاية باكرًا لا يملكون إلا البكاء رثاء أو حسرة أو خوفًا على العالقين في الطريق، فمآل كل شيء عنده ينتهي:

“وأخيرًا دار الزمان في حارتنا دورته المعتادة فاختفت أسماء تحت التراب، وغابت أخرى في ثنايا المدن الأخرى” (صفحة 110 قصة السور – قيود وأجنحة)

في النص الأول:(قيود وأجنحة) ينفتح في جوف البطل شوق لهذا الشيخ الذي لن يظهر في اللحظة الراهنة ولن يصل بطلنا إلى بابه، ورغم ذلك يطرق بنا الكاتب باب الشيخ بل ويأخذنا من يد عقلنا إلى عوالم الشيخ النوارنية وقناديل الكهف ورائحة البخور والأناشيد وﺘﺮﻧﯿﻤﺎت اﻟﺼﻮت اﻟﺮﺧﯿﻢ،

في تكنيك قصصي مشوّق ولغة سلسة يخاتل الكاتب قارئ النصّ، أو ربما نجح المؤلف في نقل حالة بطل النص من تجّلي الشوق في ثنايا الضمير الإنساني وسلطته الظالمة  أحيانًا، سالكًا مسلك نجيب محفوظ ومتبًعا خطاه في رائعته (الحرافيش) دون ادّ‘اء أو تأثر بأديب نوبل، إنما كما لو كانا نهلا من نفس النبع، ليسمو بنا في تجليات الصوفية والتخلّي، لينتقل بالقاريء إلى واقعية مغرقة في الألم: “الأب الكبير القوي الذي خط الشيب مفرقيه يحتاج لأب” (صفحة 12 قصة قيود وأجنحة – قيود وأجنحة)

ثم يأتي بعد النص الأول ليجعل القارئ يعيد قراءة النص الأول مرة ثانية، بل يطالع الغلاف في دهشة من مقدرته الفذّة في نقله لجغرافيا وأسلوب السرد والصورة إلى زمان ومكان مغايرين، في نص(لم يبق أحد للاحتفال) وعوالم أمريكية بروح ولغة ومشهدية تكاد تنطق بأن كاتبها عايش هذه الأماكن بل كان هو بطلها.

وفي كل نص من نصوص الكتاب القصصي سنجد روحًا مغايرة، ونفس سردي متجدد ومختلف، وجادّ

إذن فـ – مصطفى ليس مجرّد هاوٍ يكتب عن هوى ورغبة في التعبير عن ذاته، بقدر ما هو قاص حقيقي يجيد تقنية السرد وماهية القصة، ولا أعني هنا الإدلاء برأي نقدي، بقدر ما وددت التذكير بالإسم ووكز القاص الهارب، في عباءة الغياب.

“ﻣﺎ ﻛﻨﺖ أﻃﻤﻊ ﻣﻨﻪ ﺳﻮى ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ رﺿﺎ.. ﺗﺮوي ﻋﻄﺶ اﻟﺴﻨﯿﻦ اﻟﻤﺎﺿﯿﺔ و ﻛﻞ ﺧﻮﻓﻲ أن أﻋﻮد ﻣﻦ رﺣﻠﺔ اﻟﻌﻤﺮ  و ﯾﺪي ﻣﻦ ذاك اﻟﺮﺿﺎ ﺧﺎوﯾﺔ”

Related Posts
Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *

Instagram
Telegram
WhatsApp