You Create, We Appreciate

رواية ملح السراب للكاتب السوري مصطفى الحاج حسين – الفصل الثالث عشر.

رواية ملح السراب للكاتب السوري مصطفى الحاج حسين – الفصل الثالث عشر.
من نافذة اختناقها، تطلّ على الزّقاق الضّيق، بشغفٍ جنوني، تتلقَّفُ تلهّفه، قلبها الغضّ يخفقُ بصخبٍ، ولعينيهِ المتوسّلتينِ تطيّر إبتسامة من دمع. لكنّ وجه ابن عمهّا (رضوان)
المقيت، يبرز فجأة أمام غبطتها فتجفلُ وتصفعها حقيقة خطبته لها، ترمق خاتمها الذّهبي، الذي يشنقُ أحلامها بازدراء، ترتدُّ نحو انكسارها، تغيب مخلِّفة وراء النَّافذة حسرة في قلب (فتى النَّافذة).
بعدَ توسّلاتٍ مذبوحةٍ، وإلحاحٍ مستميتٍ، تشفق الأمُّ (نجوى)على كآبة ابنتها (سميرة)، فتفرجُ عن جناحيها لبعضِ الوقت.
يبرقُ قلبها من الفرحةِ، يذوبُ جليد الرّوح، وتسري في الأوردةِ مراكب الأماني البيض.. سيلتقيان.. وتتشابك الأصابع بارتعاشها، تحتفي بخطواتهما الأرض، تحتضنُ الدّروب فراشات بوحهما والغيوم البيضاء تطال جنون القبلات.
أشهر مضت على إعلانِ حتفها، خطوبة (رضوان) ابن عمَّها لها، وهي قابعة خلف كثبانِ أحلامها، مع خاتمها اللعين ، تراقب باختناقٍ حادٍّ، تحرُّكات (فتى النَّافذة) القلقة.
ـ أتريدينَ شيئاً من أمِّ (زينب)؟.
تردُّ أمَّها المنهمكة بترتيبِ قبرها الأثير:
ـ بلِّغيها السَّلام.. لكن إيَّاك والتّأخر.. اليوم موعد مجيء عمّكِ من (حلب)، وممكن أن يأتي معه خطيبكِ(رضوان).
تندفعُ نحو الباب، كسحابةِ شوقٍ، ترقصُ خلجاتها على إيقاعِ الانعتاق،تسبقها عصافير التَّوق، متقافزة فوقَ أحجارَ الطّريق المرصوفةِ.
ومن بعيدٍ تلمحُ فتاها (إبراهيم) يتتبَّعها، فيشتعلُ الصَّهيلُ في نبضها، يرفرفُ دَمُ إشراقها جناحاها يغرّدانِ، وهي تقاومُ رغبةً في الالتفات:
ـ مجنونة.. ماذا لو افتضح أمرك ؟.. ستذبحينَ كخالتكِ (سعاد)، ارجعي.. ارجعي.
تنأى بارتباكٍ شديدٍ عن الحارةِ، تَتَغَلْغَلُ في أزقَّةٍ متطرِّفةٍ، الخوفُ يثقلُ قدميها، أنفاسها تزعقُ برعبٍ:
ـ ارجعي.. ارجعي.. قد يصادفكما قدوم ابن عمَّك (رضوان) مع والده عمَّكِ، وزوج أمّكِ.
تتباطأ حائرة، وبعيونٍ متلصّصةٍ تمسحُ المكانَ من حولها تلتفتُ، تتمهّلُ
لتقصّرُ المسافة، بينها وبين الحبيب الحقيقي (إبراهيم).
يتصاعد الخوف مشوباً بالحذرِ في قلبِ العاشقِ المتيّمِ (إبراهيم)، تنبتُ في قلبهِ أنيابٍ شرسةٍ، مدركاً خطورة المغامرة، يمسك خطاهُ عن حبيبتهِ (سميرة):
ـ لن أقامر بها وبي، لن أشاطرها جنونها
… ماذا لو طاوعتها؟!.. سيقولُ أبي:
– فضحتنا يا كلب، جلبتَ لنا الدَّمار،
ولأهلها العار، ثمَّ هل تجدنا قادرينَ على مجابهةِ عشيرة (الرَّضوان) ؟!.. عشيرتهم كبيرة، ونحنُ عائلة بسيطة وصغيرة، سيقتلونكَ، خطيبها (رضوان)
وهو ابن عمِّها، ووالده متزوّج من أمّها، هو بحدِّ ذاتهِ حيوان متوحّش، فماذا تَتَوقّع منه، حينَ يعلمَ بعلاقتكَ مع خطيبتهِ؟!.. سيقتلكَ، ونحنُ لن نموت من أجلكَ، ومن أجل قلبك الطَّائش.
بجوارحٍ مشرئبَّةٍ متيقِّظةٍ لوصولهِ
تتخيَّلُ ما سيدورُ بينهما من حوارٍ:
ـ مرحباً.
ـ أهلاً.
مُتَحَرّراً من تلعثمهِ، حاثَّاً خطاهُ بمحاذاتها:
ـ كيفَ الأحوال؟.
وبنزقٍ تضعُ (سميرة)، حدّاً لمقدِّماتِ (إبراهيم):
ـ (إبراهيم)، يجب أن نجدَ حلَّاً.
أفاقتْ (سميرة)، من شرودها، على تأخرهِ، شارفتْ على تخومِ البلدةِ، بجرأةٍ تستديرُ، فتصطدمُ بخيبةٍ متوحِّشةٍ، تنقضُّ على جناحيها الأبيضينِ، حينَ لا تبصرُ أحداً يتعقَّبها.
ينتحرُ بريقُ عينيها، أغصانُ بهجتها تَتَقَصَّف، يجفُّ نسغ الانعتاق، وتتهشَّمُ مرايا السَّماء، فوقَ قفار روحها بينما تجأرُ أعماقها النَّازفة:
ـ آهٍ (إبراهيم) لماذا الفرار ؟!.
في زقاقٍ مُتَهَدّمٍ، تلمحُ الشَّمسُ الأفلةُ
فتى النَّافذةِ العاشق (إبراهيم)، لاهثاً بانهزامهِ، يجرُّ غُصَّته بمشقّةٍ، وفي وجدانهِ الجريح تتعاركُ الأسئلة:
ـ سامحيني يا (سميرة)… لن ألحقَ بكِ العار. أهل بلدتنا لا يعرفونَ الرَّحمة
ليتنا يا (سميرة) وُلِدْنا على كوكبٍ آخر.
تعودُ (سميرة) مضرَّجةً بخيبتها، تعرجُ على قبرِ صديقتها (زينب)، كاتمة أسرارها، تحملقُ الصّديقة في أخاديدِ الدَّمع في وجهِ (سميرة)، وتشهقُ بالسؤال:
ـ هل التقيتما ؟!.
تندُّ عن أوجاعِ (سميرة)، صرخة
مسكونة بالموتِ:
ـ انهزم !.
تَتَكوَّرُ الصّبيَّتانِ، المنكسرتا
الأجنحة تبكيانِ أحلامهما بضراوةٍ ، ذليلة تنكفئُ الشَّمس، وبفظاظةٍ ينبثقُ ليلٌ من عويلٍ أسودٍ، يُسربلُ حلمَ المدينة.
وزعيقاً، ينبعثُ من بيتِنا، في الغرفةِ الثانيةِ، فأطفأتُ سيجارتي على عجلٍ، ورميتُ المجلة من يدي، وهرعتُ لأستطلعَ حقيقة الأمر، وأعرف ما يحدث، فالأصوات أخذتْ تتعالى وتزدادًَُ حدّة وقوّة.
وما إن دخلتُ الغرفةَ ، حتَّى صاحت أُختي(مريم) وهي تبكي، كأنَّها تستنجِدُ بي:
– تعالَ وانظرْ أبوك.. يريدُ أن يبيعَ لنا التلفازَ، إنَّه لي، طَلِعَت عيوني مِنَ السهرِ، حتى اشتريتُه منْ تعبي وأنا ساهرةٌ على مكنةِ الخياطةِ.
وقبل أن أتكلَّمَ، وأنا على أيِّ حالٍ عاجزٌ عن الكلامِ أو التدخُّلِ، فلا أستطيعُ موافقةَ أبي على بيعِ التلفازِ، لأنه فعلاً لأختي، وثمنُه من تعبِها، وهي متعلقةٌ به أكثرَ منِّي، ولا أقدُرُ على الاحتجاجِ، فالموقفُ الذي تعرَّضَ له أبي اليوم، يساوي عُمُري كلُّه، ويستحقُّ لو كان بمقدوري أنْ أبيعَ دمي، وأساعدَ أبي، على الخلاصِ من هذه الورطةِ اللعينة.
كان أبي يصرُخُ بحِدَّةٍ:
– قلتُ لكِ يا ابنةَ الكلبِ، في الصيفِ سأشتري لكمُ أفضلَ منه، سأحضِرُ لكم تلفازاً ملوَّناً.
زعقتْ (مريم) و دموعُها قد بدأت تقطُرُ من خدَّيها:
– لا أريدُ تلفازاً ملوَّناً، اترُكْ لنا هذا، ونحن بألفِ خيرٍ.
اقتربت أمِّي من أُختي شاحبةَ الوجهِ، ترجوها:
– يا ابنتي ..الله يرضى عليك، دعي أبوك يتخلَّص من هذا النذلِ، والله لو كان عندنا غسَّالة أو براد، لَقُلتُ له بِعْ ما يناسِبُكَ واترك لها تلفازَها.. اصبري يا (مريم)، الله كريمٌ سيعوِّض علينا بالأفضلِ.
باع أبي التلفازَ، فبكتْ أختي
(مريم) كثيراً، وبكيتُ أنا في الخفاءِ قليلاً.
Related Posts
Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *

Instagram
Telegram
WhatsApp